فخر الدين الرازي

83

تفسير الرازي

الحجة الثالثة : أنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية : * ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) * ( البقرة : 224 ) وقد ذكرنا أن معناه النهي عن كثرة الحلف واليمين ، وهؤلاء الذين يقولون على سبيل الاعتياد : لا والله وبلى والله لا شك أنهم يكثرون الحلف ، فذكر تعالى عقيب قوله : * ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) * حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام لا على سبيل القصد إلى الحلف ، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم ، ولا كفارة ، لأن إيجاب المؤاخذة والكفارة عليهم يفضي إما إلى أن يمتنعوا عن الكلام ، أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرناه هو المناسب لما قبل الآية ، فأما الذي قال أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه لا يناسب ما قبل الآية فكان تأويل الشافعي أولى ، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه . الحجة الأولى : قوله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه " الحديث دل على وجوب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل . الحجة الثانية : أن اليمين معنى لا يلحقه الفسخ ، فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق ، فهاتان الحجتان يوجبان الكفارة في قول الناس : لا والله بلى والله ، إذا حصل الحنث ، ثم الذي يدل على أن اللغو لا يمكن تفسيره بما قال الشافعي ، ويجب تفسيره بما قاله أبو حنيفة أن اليمين في اللغة عبارة عن القوة قال الشاعر : إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين أي بالقوة ، والمقصود من اليمين تقوية جانب البر على جانب الحنث بسبب اليمين ، وهذا إنما يفعل في الموضع الذي يكون قابلاً للتقوية ، وهذا إنما يكون إذا وقع اليمين على فعل في المستقبل ، فأما إذا وقع اليمين على الماضي فذلك لا يقبل التقوية البتة ، فعلى هذا اليمين على الماضي تكون خالية عن الفائدة المطلوبة منها ، والخالي عن المطلوب يكون لغواً ، فثبت أن اللغو هو اليمين على الماضي ، وأما اليمين على المستقبل فهو قابل للتقوية ، فلم تكن هذه اليمين خالية عن الغرض المطلوب منها فلا تكون لغواً . القول الثالث : في تفسير يمين اللغو : هو أنه إذا حلف على ترك طاعة ، أو فعل معصية ، فهذا هو يمين اللغو وهو المعصية . قال تعالى : * ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) * ( القصص : 55 ) فبين أنه تعالى لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان ، ثم قال : * ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) * أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية ، قالوا : وهذا التأويل مناف لقوله عليه السلام : " من حلف على